أبي نعيم الأصبهاني
263
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
مناجاتهم ، وما ذا يلقونه من نوازل حاجاتهم ، تر أرواحا تتردد في أجساد قد أذبلتها الخشية ، وذللتها الخدمة ، وتسربلها الحياء ، وجمعها القرب ، وأسكنها الوقار ، وأنطقها الحذار . أنيسها الخلوة ، وحديثها الفكرة ، وشعارها الذكر . شغلها باللّه متصل ، وعن غيره منفصل . لا تتلقى قادما ، ولا تشيع ظاعنا . غذاؤها الجوع والظما ، وراحتها التوكل وكنزها الثقة باللّه ، ومعولها الاعتماد ، ودواؤها الصبر وقرينها الرضا . نفوس قدمت لتأدية الحقوق ، ورقيت لنفيس العلم المخزون ، وكفيت ثقل المحن ( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) . * سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول سمعت الجنيد يقول : ما من شيء أسقط للعلماء من عين اللّه من مساكنة الطمع مع العلم في قلوبهم . قال وسمعت الجنيد يقول : فتح كل باب وكل علم نفيس بذل المجهود . * سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول قال الجنيد : لولا أنه يروى أنه يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم ما تكلمت عليكم . * حدثنا عثمان بن محمد ثنا بعض أصحابنا قال قيل للجنيد : ما القناعة ؟ قال : ألا تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك . * سمعت علي بن عبد اللّه الجهضمي يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت محمد بن الحريض يقول لما قال الجنيد : إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئ بالمحسن . قال أبو العباس بن عطاء : متى تبدر ؟ فقال له الجنيد : هي بادية ، قال اللّه : سبقت رحمتي غضبى . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفنى ، ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود ، وربما وقع في قلبي أن زعيم القوم أرذلهم .